
توفي صباح أمس .. غازي القصيبي رحمه الله و غفر له ..
من يود الحديث عن غازي , لا يدري عن من يتحدث , هل يتحدث عن غازي السفير ؟ سفير البحرين أم بريطانيا .؟ هل يتحدث عن غازي الوزير .. وزير الكهرباء أو وزير العمل . . غازي الشاعر وغازي الروائي و غازي الكاتب و غازي الأكاديمي ؟!!
ذكر غازي في كتابه حياة في الإدارة أن في كل واحد منا عدة شخصيات , و من نعمة الله على المرء أن تتحقق هذه الشخصيات في حياته ..
و إن كنت أعتقد أن الفترة الطويلة التي قضاها سفيراً و فرت له الوقت للتفرغ للقراءة و التأليف , لكن هذا لا يقلل طبعاً من موهبة غازي و جهده . .
من يتأمل سيرة غازي يعجب من التنقلات و المنعطفات التي مر بها , ولد في الأحساء و درس تعليمه العام في البحرين , أكمل دراسة البكالوريس في القاهرة , ثم يمم وجه تجاه أمريكا ليدرس الماجستير هناك و من ثم يأخذ الدكتوراه في تاريخ اليمن أين .. في جامعة لندن !!
لمع نجم غازي أثناء توليه لوزارة الكهرباء , فقد تحقق الكثير على يديه مع خروجه في التلفزيزن و كتابته في الصحف مما جعل الأعلام يتعاطف معه و يبرزه بشكل ممجوج مما أثار الخصوم و الحساد عليه , بعد الكهرباء تولى وزارة الصحة و برز فيها , لكن عزه لم يدم فقد كثر الواشون بينه و بين الملك فهد -رحمه الله- حتى تهور بنشر هذه القصيدة في الصحف ..
بيني وبينك ألف واش ينعبُ فعلام أسهب في الغناء وأطنبُ
صوتي يضيع ولاتحس برجعه ولقد عهدتك حين أنشد تطربُ
واراك مابين الجموع فلا أرى تلك البشاشة في الملامع تعشبُ
وتمر عينك بي وتهرع مثلما عبر الغريب مروعاً يتوثبُ
بيني وبينك ألف واش يكذبُ وتظل تسمعه ولست تكذبُ
خدعوا فأعجبك الخداع ولم تكن من قبل بالزيف المعطر تعجبُ
سبحان من جعل القلوب خزائنا لمشـاعر لما تزل تتقلبُ
قل للوشــاة أتيت أرفع رايتي البيضاء فاسعوا في أديمي واضربوا
هذي المعارك لست أحسن خوضها من ذا يحـارب والغريم الثعلبُ
ومن المناضل والسلاح دسيسة ومن المـكافح والعدو العقربُ
تأبى الرجولة أن تدنس سيفها قد يغلب المقدام ساعة يغلبُ
في الفجر تحتضن القفار رواحلي الحرحين يرى الملالة يهربُ
والقفر أكرم لايغيض عطاؤه حينا ويصغي للوشاة فينضبُ
والقفر اصدق من خليل وده متغير متــلون متذبذبُ
سأصب في سمع الرياح قصائدي لا أرتجي غـنماً ولا اتكسبُ
وأصوغ في شفة السراب ملاحمي إن السراب مع الكرامة يشربُ
أزف الفراق فهل أودع صامتاً أم أنت مصغ للعتاب فأعتبُ
هيهات ما أحيا العتاب مودة تُغتال أو صد الصدود تقرُّبُ
ياسيدي في القلب جرح مثقل بالحب يلمسه الحنين فيكسبُ
ياسيدي والظلم غير محببٍ أما وقد أرضاك فهو محببُ
ستقال فيك قصائد مأجورة فالمادحون الجائعون تأهبوا
دعوى الوداد تجول فوق شفاههم أما القلـوب فجال فيها أشعبُ
لا يستوي قلم يباع ويشترى ويراعه بدم المحاجر تكتبُ
أنا شاعر الدنيا تبطن ظهرها شعري يشرق عبرها ويغربُ
أنا شاعر الأفلاك كل كليمة مني على شفق الخلود تلهبُ
با لتأكيد أعفي غازي من منصبه – بناء على طلبه طبعاً !! – ثم عين سفيراً في البحرين ثماني سنوات , قضاها في هدوء و سلام مارس فيها هواية صيد السمك !
حتى جاء غزو صدام للكويت , و هنا عاد غازي للأضواء , فقد كانت الحكومة السعودية تواجه خطراً يتمثل في صدام , و قلقاً داخلياً بسبب المعارضة لقدوم القوات الأجنبية , و تشتتاً عربياً بسبب الغزو , فجاءت زاوية غازي (في عين العاصفة) سلاحا إعلامياً أفادت منه المملكة الكثير ..حتى توقع الكثير رجوعه للوزارة , لكن تهور غازي في مهاجمة رموز الصحوة (عايض القرني - ناصر العمر – سلمان العودة – سفر الحوالي) بتوزيعه منشورات حاورهم فيها بسطحية فجة , مثلاً يقول : اتق الله يا عايض .. ناصر العمر هل أنت علماني ؟!! أضاع منه فرصة تولية الوزارة !
جمعت منشورات غازي في كتيب اسمه حتى لا تكون فتنة , و الذي رد عليه الشيخ سلمان رداً هادئا محكماً في محاضرة الشريط الإسلامي ما له و ما عليه .. في الشريط الثاني
عوض غازي بسفارة بريطانيا , نشر في خلالها أول عمل روائي له شقة الحرية..
عاد غازي للوزارة من جديد , لكن التحديات كانت أقوى منه , فوزارة العمل ليست مثل الكهرباء أو الصحة , فالبطالة و مشاكل العمالة الأجنبية ظلمات بعضها فوق بعض , لم يصنع غازي في هذه الوزارة سوى الفرقعات الإعلامية و إصدار الروايات !
و روايات غازي ممتعة خصوصا أبو شلاخ البرمائي و العصفورية على بذاءة فيهما , و برأيي لو تفرغ غازي لكتابة المقالات و تأليف الكتب , لكان أفضل له , فهو له تجربة فريدة تقلبت به الأحوال هنا و هناك , إضافة لثقافة متينة و قلم سيال ممتع ..
تحول موقف غازي في نهاية عمره من رموز الصحوة , فقد استقبل الشيخ سلمان مرة بقوله:
يا أيها المرخي عمامته . . هذا زمانك إني قد مضى زمني !
لا يخلو أسلوب غازي الكتابي من نرجسية خفية و ذكاء إعلامي لتسويق نفسه ..
الحديث عن غازي يطول يطول .. آمل أني قدمت شيئا يستحق القراءة ..
رحمه الله ..


شيء من عبيركم