
إجازة نهاية السنة الميلادية قضيتها في مدينة ملبورن, مع عائلة حبيبنا أبي علي, الذي ذهبت معه إلى نيوكاسل.
إذا ذُكرت ملبورن فلابد من ذكر سدني, فهما كما قيل كفرسي رهان و بين أهلها من التعصب لكل مدينة ما يذكرني بالعلاقة بين أهل بريدة و عنيزة, فما يجمع المدينتين أكثر مما يفرقهما لكن أهل كل مدينة لا يفضلون سماع الثناء على المدينة الأخرى, لما ذكرت لمدرستي أنني أود الذهاب إلى ملبرون قالت : لا تذهب , لا تستحق الذهاب, ثم أردفت أنا من سدني !
من وجهي نظري في المقارنة بين المدينتين, يغلب على سدني الجانب التجاري بينما في ملبورن يغلب الجانب المعماري القديم, مستوى المعيشة متقارب بين المدينة لكن أهل ملبورن ألطف من خلال تعاملي معهم , و أهل سدني مشغولون بأنفسهم لا أدري لماذا؟
تكثر في سدني الجالية الصينية بينما تكثر في ملبورن الجالية الهندية و الهنود بالعموم لطيفون و ينادونك بأخي (المسلمون منهم) بينما الصينيون فيهم جلافة في التعامل.
في ملبورن قابلت صينياً يعمل في بقالة ضمن سلسلة ضخمة من البقالات تدعى “eleven-7” , سألته عن سبب تسميتها بهذا الاسم , فأخبرني أن هذه السلسلة كانت تعمل من السابعة صباحاً حتى الحادية عشرة مساءً, و من هنا أخذت الاسم , لكن الآن تعمل لمدة أربع و عشرين ساعة.
و حيث أن لهجته غير واضحة فلم أفهم ما قاله من أول مرة , لكنه فسر سوء فهمي لكلامه أنني لا أعرف كيف تعمل الساعة اليدوية ! مع أنني كنت ألبس ساعة يدوية و أنا أحادثه , لو كنت أتحدث إلى استرالي لما قال لي إذ لم أفهم : أنت لا تعرف كيف تعمل الساعة اليدوية و هو يرى أنني ألبسها, أوردتُ هذا الموقف لأبين أن الصينين بالعموم فيهم جلافة.
كنت ُ سألتُ من قبلُ أستاذاً لي لم سميت هذه السلسلةب ” 7-eleven” فقال : ” لا أدري لكن أظنها يوم ميلاد صاحب السلسلة , و لد في اليوم السابع من الشهر الحادي عشر و في الحقيقة لم أفكر في هذا من قبل” فالأستاذ لأنه نشأ و هو يرى هذه السلسلة لم تستلفت نظره مثلما استلفت نظري, و هذا يقودنا إلى نقطة و هي أن الاعتياد يزيل الدهشة , يحدث هذا لمن يدخل في الإسلام مثلاً , فإنه يكون متشوقاً لمعرفة الدين و الأحكام و سيرة الرسول -عليه الصلاة و السلام- أكثر من كثيرين ولدوا من أبوين مسلمين .
ركب معنا في الطائرة ثلاثة شبان, نبهني أبو علي لشعر المكنسة الذي يحملونه! من العجائب في بلاد الغرب و أيضا لدى الآسيوين, تجد الواحد منهم وجه و صدره و سيقانه بل وفخذيه مثل البلاطة الملساء لا تجد فيها شعرة , لكنه يترك شعر أبطيه, أن يحلق الواحد كل الشعر منطقي و أن يتركه كله منطقي أيضاً, لكن أن يترك شعر الإبطين و يحلق ما تبقى من شعر جسمه فهذا غير منطقي.
توجد في ملبورن جالية يهودية كبيرة نسبياً, بل وفقاً لموسوعة ويكيبيديا, فإنه بها أكبر تجمع لليهود الناجين من محرقة الهلوكوست في استراليا,و لهم جريدة محلية, قابلت في المطار شاباً يهودياً كان يصلي و صلاة اليهود ملفتة للنظر, تقدمتُ إليه و عرفته باسمي و دولتي و قلت له أرغب في التعرف عليك و على ديانتك و الحديث عن الصراع العربي – الإسرائيلي (!!). فرحب بي و قال أنه أخذ مادة في الجامعة عن اللغة العربية لعله يمارسها معي, لكن (ابن اليهودي) تجاهل رسائلي له لما حاولت التواصل معه فيما بعد.
لفت نظري في ملبورن تصميم أحد الشوارع, فقط كان خمسة مسارات, اثنان متجاوران يتجهان جهة معينة و اثنان متجوران يتجهان للجهة المقابلة و بينهم شارع يتجه كل الاتجاهين (طبعاً ليس في وقت واحد) فقد كان في بداية الشارع لوحةٌ تبين إلى أي جهة يسير هذا اليوم. العجيب أن هذه المسارات الخمس ليس بينهن حاجز و الأعجب أيضاَ أن حوادث السير نادرة, بل إن بعض الحوداث الخطيرة يفرد لها تقريرٌ في نشرة الأخبار!
لذلك لا تصدق ما يحدث في أفلام هوليوود , عندما يطارد البطل غريمه بين السيارات و يقطع الإشارات و يسير عكس المسار .. هذا خيال, النظام هنا في غاية الدقة, و الناس أيضاً كذلك, مثلاً المكان المخصص لعبور الشارع هو الخطوط البيضاء , إذا أراد شخص عبور الشارع فإنه يعبره دون أن يلتفت لأنه يعلم أن سائق أي مركبة يضطر لتوقف أمام عابر الشارع, أيضاً عندما تكون الإشارة حمراء , فعليك التوقف.
تيسر لي في أحد شواطىء ولاية فكتوريا حيث توجد ملبورن الحصول على حمام شمس! حمام الشمس ليس لنا كسعوديين بحكم أن مناخنا حار و مشمس, لكن أهل البلاد الباردة جداً مثل شمال أوروبا يستلذون به, و يعتبرون اليوم المشمس يوم جميل, بخلافنا نحن العرب.
استلقيتُ على الرمل بجاور أبي علي و وضعتُ غطاءً على وجهي, و استسلمت للشمس لمدة أكثر من ساعة, كانت الشمس لاذعة مع هواء بارد.
يضع الناس العديد من الكريمات للوقاية من أشعة الشمس عندما يأخذون حمام شمس, بل يوجد في بعض الصيدليات رفوف خاصة لكريمات للوقاية من سرطان الجلد.
في ملبورن يوجد مطعم يديره شخص أريتري, يقدم الرز و اللحم المندي, شهرة هذا المحل و صلت إلى سدني, فاتفقنا أنا و أبو علي على الذهاب له, الحقيقة الأكل عادي جدا و الأسعار مرتفعة, بالمناسبة لدي تصور عن السبب في شهرة بعض المطاعم المتواضعة في الخدمة, يرجع ذلك في نظري أن عموم الناس يريدون الذهاب إلى مطعم أو مقهى مختلف, يقدم شيئا لا يجدونه عند غيره, مثلاً فكرة مطعم يقدم مندياً في استراليا فكرة جذابة.
ذهبنا إلى حديقة الحيوانات في ملبورن, أعجبني في الحديقة اللغز الذي وضعته فوق, فكرة اللغز تقوم على تفكيك الرموز و إيجاد قيمة كل نوع.
في طريق العودة رجعنا مع طائرة تتبع الخطوط (تايجر), البعض يصنف هذه الخطوط في فئة (مشي حالك) بينما يضعها آخرون في فئة (أبو كلب) , من خلال تعاملي معها أضعها في فئة (أبو رفسة), الإعلان عن موعد الرحلة لا يكون عبر شاشة إلكترونية أو ميكفرون مثلا, و إنما لوحة عادية يرفعها الموظف بيده ثم ينادي بصوته المجرد!
لما جلستُ على المقعد لمحت (علكاً) على الكرسي الذي أمامي, قلت لنفسي هذه فرصتك يا حمود لتغدو ثرياً, ما علي سوى أن أستدعي الموظف , لأنبهه على الخطأ, فتدفع لي الشركة قيمة الطائرة التي ركبتها ثمناً لرضاي!, لكن خاب أملي لما جاء الموظف و تناول العلك بدون أن يقول آسف.
جلست مع أبي علي بجانب استرالي من أصل إيراني, ذكر لنا أنه تعلم العربية في المدرسة (يعني ما نقدر نحش فيه )و هو يتقن الإنجليزية و الفارسية,بالطبع كان حديثنا سياسياً عن إيران و السعودية و أمريكا, و بين تذمره من أن إيران تسعى للحصول على السلاح النووي لمهاجهة إسرائيل, لكن السعودية تعمل ضدها خدمة لإمريكا لذلك أبرت معها صفقة أسحلة الطائرات الأخيرة, قلت له السعوية حريصة على مصلحتها و كونها تتفق مع أمريكا في هذه الحالة ليست منقصة في حقها, سأله أبو علي عن الأوضاع في سوريا, فقال: هولاء المتظاهرون مدعومون من أمريكا !!, فقال أبو علي : أطفال و عجائز يتلقون الرصاص بصدورهم و تقول لي أنه مدعومون من أمريكا, أي منطق هذا ؟
سألته عن نية إيران في إغلاق مضيق هرمز, هل هي جادة في ذلك ؟ قال: نعم إذا هاجمتنا أمريكا.
افترقنا على أمل اللقاء به فيما بعد, لكن لم يتيسر ذلك.
أختم هذه التدوينة بموقف غريب مر علي, إذ كنت أقف في المحطة مديراً للقطار ظهري أمام زوجتي, و إذا باسترالي يشير لزوجتي أنني سأقطع رأسك!!! أشارت له زوجتي بكفيها ..
حمانا الله و جميع المسلمات شرور هولاء المجانين.